الرئيسية/المقالات/حين تُنقذ الروح وتُطعن في الظهر
تأملات٢٨ فبراير ٢٠٢٦٧ دقائق

حين تُنقذ الروح وتُطعن في الظهر

نعتقد أحياناً أن العمل الجاد يتحدث عن نفسه، أن الأيدي التي تُعيد النبض لقلبٍ كاد يتوقف لا تحتاج إلى شهادة من أحد. لكن الحقيقة أن أكثر الطعنات إيلاماً لا تأتي من المرض، بل من البشر.

حين تُنقذ الروح وتُطعن في الظهر

نعتقد أحياناً أن العمل الجاد يتحدث عن نفسه، أن الأيدي التي تُعيد النبض لقلبٍ كاد يتوقف لا تحتاج إلى شهادة من أحد، وأن الليالي التي نقضيها ونحن نراقب أنفاس مريض بين الحياة والموت ستكون كافية لتقول للعالم: هذا إنسان يستحق الاحترام. لكن الحقيقة التي لا يُخبرك بها أحد هي أن أكثر الطعنات إيلاماً لا تأتي من المرض، بل من البشر الذين كنت تظنهم في صفّك.

تدخل إلى العمل كل صباح وأنت تحمل رسالة، تؤمن بها إيماناً لا يتزعزع. ترى شاباً صغيراً أحضروه بعد حادثٍ بشع، جسده مُهشّم وعيون أهله تتوسل المعجزة، فتصبح أنت تلك المعجزة. تسهر الليالي، تُعدّل، تُراقب، تُقاتل الموت بكل ما أوتيت من علم وإرادة، حتى يفتح عينيه ذات صباح ويبتسم. تلك الابتسامة وحدها كانت تكفي لتمحو كل إرهاق، لتُعيد لك الإيمان بأن ما تفعله له معنى.

وترى مريضة تنزف منذ لحظة وصولها، والتحديات تتوالى واحدة تلو الأخرى كأن القدر يختبرك، فتقف أنت في وجه كل تحدٍّ بصدرٍ لا يعرف التراجع. تُصلح ما يمكن إصلاحه، وتبتكر حلولاً لما لا يبدو له حل. وحين تستقر حالتها أخيراً، تتنفس أنت للمرة الأولى منذ ساعات، وتعرف في قرارة نفسك أنك صنعت فرقاً حقيقياً.

"لكن ماذا يحدث حين يكون أكبر أعدائك ليس المرض، بل من يجلس خلف مكتبٍ لم يلمس يوماً يد مريض؟"

هناك نوع من الألم لا يُشبه أي ألم آخر — ألم أن تُطعن ممن انتظرت منه السند. أن يكون الشخص الذي كنت تظنه الأقرب هو الأبعد عن الإنصاف. أن تكتشف أن القرب الذي ظننته نعمة كان في الحقيقة لعنة، لأنه أعطاه الجرأة على أن يؤذيك بلا حساب، وأن يطعنك وهو يبتسم.

تصلك الكلمات من هنا وهناك: "فلان يتحدث عنكِ"، "فلان يُسيء إليكِ"، وكأن المكان الذي تبذلين فيه روحك تحوّل إلى ساحة حرب، لكن الأسلحة فيها ليست مشارط وأدوية، بل ألسنة وحقد وكراهية مجانية. تتساءلين: ما الذي فعلته لأستحق هذا؟ والإجابة المؤلمة هي: لا شيء سوى أنكِ كنتِ جيدة أكثر مما يحتملون.

الشخصيات السامة لا تكره الفاشلين، بل تكره من يُذكّرها بعجزها. تكره النور لأنه يفضح ظلامها. وكلما أشرقتِ أكثر، كلما حاولوا إطفاءك بكل الطرق — بالكلام، بالشكاوى، بالتآمر الصغير الذي يتراكم حتى يصبح جبلاً من الإحباط.

"أصعب أنواع الحروب تلك التي تخوضها وأنت مُرهق من الانتصار، لا من الهزيمة."

تصلين إلى مرحلة تكرهين فيها ما كنتِ تعشقين. تنظرين إلى المكان الذي كان يعني لكِ الحياة فتشعرين بالغثيان، لا من المرضى — فهم دائماً النور الوحيد — بل من الوجوه التي تُقابلك بابتسامات زائفة وخناجر مخبّأة. تتساءلين: هل يستحق كل هذا العطاء أن أخسر سلامي النفسي؟

لكن هنا تكمن المفارقة الكبرى: أنتِ لم تختاري هذا الطريق لأجلهم. اخترتيه لأجل ذلك الشاب الذي فتح عينيه بعد أن كان الجميع يظنه ميتاً. لأجل تلك المريضة التي عادت لأطفالها بعد أن كادت تفقد حياتها. لأجل كل نبض أعدتيه وكل دمعة فرح مسحتيها عن وجه أم كانت تنتظر الأسوأ.

الجحود لا يُلغي الأثر. والسموم التي يبثّها الحاقدون لا تمحو الحقيقة. الحقيقة أنكِ تصنعين فرقاً كل يوم، حتى لو لم يقلها أحد. حتى لو كان الثمن أن تبكي وحدكِ في نهاية المناوبة.

ربما لهذا كُتب على الأطباء أن يكونوا أقوياء — ليس فقط أمام المرض، بل أمام البشر أيضاً. أمام الجحود والحسد والكراهية المجانية. أمام كل من يحاول أن يُصغّر ما تفعله لأنه عاجز عن فعل مثله.

"لا تدع أحداً يُطفئ نورك لمجرد أنه يُعميه."

وفي نهاية كل يوم، حين تخلعين رداءك الأبيض وتجلسين مع نفسك، تذكّري أن الأثر الذي تتركينه في أرواح الناس أكبر من أي منصب، وأعمق من أي لقب، وأبقى من كل الأصوات التي حاولت إسكاتك. أنتِ لستِ بحاجة لتقديرهم، لأن تقديرك مكتوب في دعوات المرضى التي تصعد إلى السماء وأنتِ لا تعلمين.

فليكن الجحود وقوداً لا لناركِ، بل لنوركِ. واستمري، ليس لأجلهم، بل لأجل تلك الرسالة التي آمنتِ بها قبل أن تعرفيهم، والتي ستبقى بعد أن ينساهم الجميع.