أمي الحبيبة،
أكتب إليكِ اليوم، ليس لأجد الكلمات التي تبرر خطئي، بل لأضع قلبي بين يديكِ، قلبًا مثقلًا بالأسف والحب والامتنان الذي لا تسعه لغات العالم. أعلم أنني بكلماتي الأخيرة قد جرحت أطهر قلبٍ عرفته، وأنني لم أراعِ مشاعرَك التي هي أغلى ما أملك في هذه الدنيا. كانت محاولة حمقاء مني لترتيب فوضى الماضي، لكني نسيتُ أن هذا الماضي كان ميدان معركتكِ أنتِ وحدكِ، معركةً خضتِها بشجاعةٍ لا مثيل لها من أجلي.
"كيف لي أن أنسى طفولةً قاسيةً كانت ستسحقني لولا أنكِ كنتِ درعي الحصين؟"
كيف لي أن أنسى؟ كيف لي أن أنسى طفولةً قاسيةً كانت ستسحقني لولا أنكِ كنتِ درعي الحصين؟ كيف أنسى أزماتٍ عاصفةً كنتِ أنتِ فيها ثباتي الوحيد؟ في كل مرة كانت الحياة تصفعني بقسوة، كنتِ أنتِ اليد التي تمسح عني الألم. وفي كل فترةٍ عصيبة، كان وجهكِ هو الضوء الذي أبحث عنه لأجد طريقي من جديد. لقد كنتِ لي الأم والأب، وكنتِ الجيش الوحيد الذي دافع عني حين تُركتُ وحيدًا.
واليوم، كلما أتذكر قسوة ما عشتِه، أشعر بعجزٍ يمزق روحي. أعتذر لكِ يا أمي، ليس فقط عن كلماتي الجارحة، بل أعتذر عن كل مرارةٍ ذقتِها في أيامكِ. أعتذر عن كل لحظة وحدةٍ قاسية، وعن كل تعبٍ وكدٍ تحملتِه بصمت، وعن كل خذلانٍ وألمٍ واجهتِه بشجاعةٍ لتصنعي لي مستقبلًا.
"يؤلمني حتى العظم أن أعز وأغلى الناس قد عاشت كل هذا"
يؤلمني حتى العظم أن أعز وأغلى الناس قد عاشت كل هذا، وأنا أتمنى لو أنني كنتُ حينها أقوى، لو كان بإمكاني أن أكون لكِ سندًا كما كنتِ أنتِ لي دائمًا. هذا الشعور بالعجز أمام تضحياتك هو أكبر دليل على أنكِ كل عالمي.
لقد ضحيتِ بكل شيء من أجلي، تنازلتِ عن أحلامكِ لتبني أحلامي، وحملتِ عني أعباءً لا يطيقها بشر. واليوم، وأنا بعيدٌ عنكِ، أدرك أن غربتي الحقيقية ليست بعدي عن الوطن، بل هي بعدي عنكِ أنتِ. فما قيمة الأوطان إن لم تكن الأم فيها؟
"أنتِ لستِ مجرد أم، أنتِ تاريخي كله، وقوتي التي أواجه بها العالم"
أنتِ لستِ مجرد أم، أنتِ تاريخي كله، وقوتي التي أواجه بها العالم. رضاكِ هو كل ما أرجوه، وحبك هو الهواء الذي أتنفسه. سامحيني يا جنتي على الأرض، ودعي حبك يحتضنني من جديد، فأنا بدونك تائهٌ لا أجد الطريق.